الشيخ محمد رشيد رضا

172

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بن عبد اللّه عن عبد اللّه بن أبي عمارة قال قلت لجابر : الضبع أصيد هي ؟ قال نعم ، قلت آكلها ؟ قال نعم ، قلت آكلها ؟ قال نعم ، قلت أقاله رسول اللّه ( ص ) ؟ قال نعم . ويمكن ان يقال أيضا - لولا ما ذكر من الحصر - : ان مالا نص في الكتاب على حله أو على حرمته قسمان طيب حلال وخبيث حرام ، وهل العبرة في التمييز بينهما ذوق أصحاب الطباع السليمة أو يعمل كل أناس بحسب ذوقهم ؟ كل من الوجهين محتمل ، والموافق لحكمة التحريم الثاني وهو انه يحرم على كل أحد أن يأكل ما تستخبثه نفسه وتعافه لأنه يضره ولا يصلح لتغذيته ، ولذلك قال بعض الحكماء : ما أكلته وأنت تشتهيه فقد أكلته ، وما اكلته وأنت لا تشتهيه فقد أكلك . ويروى عن الشافعي ان العبرة ذوق أصحاب الطباع السليمة من العرب الذين خوطبوا بهذا أولا ، ويرد عليه ان النبي ( ص ) عاف أكل الضب وعلله بأنه ليس في ارض قومه واذن لغيره بأكله وصرح بأنه لا يحرمه ، فلا يحكم بذوق قوم على ذوق غيرهم ، وليس هذا أمرا يتعلق باللغة حتى يقال إنهم هم الذين خوطبوا بهذا النص أولا فالعبرة بما يفهمونه منه والناس لهم فيه تبع ، بل هو أمر متعلق بالأذواق والطباع ، ومعناه أحل لكم أيها المكلفون ما يستطاب أكله ويشتهى دون ما يستخبث ويعاف ، وحينئذ تكون العبرة بالسواد الأعظم من سليمي الطباع غير ذوي الضرورات والمعيشة الشاذة ، أو يختلف باختلاف الطباع بين الأقوام . واختلف الفقهاء فيما ينتن أيحرم أم يكره ؟ وهو خبيث لغة وعرفا ، ولا يرد على الحصر المارّ لان خبثه عارض وكل حلال يعرض له وصف يصير به ضارا يحرم كاختمار العصير فان زال حل كتخلل الخمر واما صيد الجوارح فقد قيد النص حله بأن يكون الجارح الذي صاده مما أدبه الناس وعلموه الصيد حتى يصح أن ينسب الصيد إليهم ويكون قتل الجارح له كتذكية مرسله إياه فيخرج بذلك عن أن يكون من الفرائس ويمسك الصيد على الصائد وذلك ان قوله فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ أي فكلوا من الصيد ما تمسكه الجوارح عليكم ، أي تصيده لأجلكم فتحبسه وتقفه عليكم بعدم أكلها منه فان أكلت منه لا يحل أكل ما فضل عنها عند الجمهور لأنه مثل فريسة السبع المحرمة في الآية السابقة ، بل هي